من درنة زهرة الأوركيد تحت التراب إلى الحليب الساخن والقرفة: مشروب الأناضول الكثيف الذي يُشرب منذ قرون.
الجواب المختصر عن سؤال «ما هو السحلب؟» هو: السحلب دقيق يُستخرج بتجفيف وطحن الدرنات التي تنمو تحت التراب لبعض أنواع الأوركيد البري، والمشروب الساخن الذي يحمل الاسم نفسه يُحضَّر بطهي هذا المسحوق مع الحليب. ومادة الغلوكومانان الموجودة في الدرنات هي التي تمنح المشروب قوامه الكثيف المميز، ومع رشّة القرفة على وجهه يصبح من أكثر نكهات أيام الشتاء ألفة. نشرح في هذا المقال، مع ذكر المصادر، من أي نبات يأتي السحلب، وكيف يتحول إلى مسحوق، وتاريخه، ولماذا هو مورد طبيعي يجب حمايته.
ما هو السحلب؟ دقيق من درنات الأوركيد
تعرّف ويكيبيديا التركية والإنجليزية السحلب بأنه دقيق يُستخرج من درنات أنواع الأوركيد المنتمية إلى جنس الأوركيس (Orchis)، وأهم الأنواع المصدر هي Orchis mascula وOrchis militaris. أما تقرير تصنيع السحلب في قسطموني، الذي أعدّته وكالة تنمية شمال الأناضول عام 2021 بتنسيق من وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية، فيذكّر بأن كلمة «سالب» (salep) اسم عام يُطلق في الأناضول على أنواع الأوركيد أيضًا.
ومصدر القوام الذي يمنحه السحلب للمشروب هو مكوّنات الدرنة نفسها. فبحسب التقرير نفسه، أهم مادة في درنة السحلب هي الغلوكومانان، وتحتوي الدرنة أيضًا على الصمغ النباتي (الموسيلاج) والنشا والسكر ومواد نيتروجينية. وتذكر ويكيبيديا الإنجليزية كذلك أن الغلوكومانان يمنح السحلب خصائص الاستحلاب والتكثيف. وهذا هو سبب تكثّف السحلب عند تسخينه مع الحليب.
درنتان تحت التراب: من الحصاد إلى المسحوق
بحسب تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، توجد في جذر نبتة السحلب درنتان: إحداهما الدرنة الأم التي تُخرج ساق النبتة في تلك السنة، والأخرى درنة فتيّة كبيرة لامعة ستغذّي النبتة في السنة التالية. وهذه الدرنات الفتيّة هي التي تُجمع: تُحصد يدويًا بعد الإزهار، عادة في شهري مايو ويونيو.
- الغسل: تُغسل الدرنات المجموعة أولًا.
- السلق: تُسلق الدرنات في الماء أو الحليب.
- التجفيف: تُترك الدرنات المسلوقة لتجف.
- الطحن: تُدقّ الدرنات المجففة أو تُطحن حتى تصير مسحوقًا.
وفي هذه العملية يضيع جزء كبير من الوزن. إذ ينقل التقرير نفسه أن الدرنة الطازجة تفقد عند التجفيف ما بين 80 و85% من وزنها، أي أن كيلوغرامًا واحدًا من الدرنات الطازجة لا يعطي إلا نحو 200 غرام من السحلب الجاف. وبحسب ويكيبيديا الإنجليزية، يحتاج كيلوغرام واحد من دقيق السحلب إلى ما بين 1000 و4000 درنة. وخلف كون السحلب منتجًا ثمينًا وغالي الثمن يقف هذا الجهد وهذا المردود.
أصل الاسم والسحلب من العصور القديمة إلى اليوم
كلمة «سالب» (salep) التركية مأخوذة من الكلمة العربية «سَحْلَب». وتنقل ويكيبيديا التركية والإنجليزية أن هذه الكلمة قد تكون اختصارًا لعبارة «خُصى الثعلب»، وهو تشبيه بشكل درنات الأوركيد. وقد انتقلت الكلمة إلى الإنجليزية في منتصف القرن الثامن عشر عبر التركية والفرنسية.
وصنع المشروبات من درنات الأوركيد تقليد قديم جدًا. فبحسب ويكيبيديا، حضّر الإغريق والرومان القدماء مشروبات من درنات الأوركيد المطحونة. ويذكر تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، استنادًا إلى Kasparek (1999)، أن استهلاك السحلب في الأناضول مستمر منذ القرن الثامن. وكان السحلب واسع الانتشار في العهد العثماني، ووصل إلى أوروبا أيضًا: ففي إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان مشروبًا محبوبًا باسم «سالوب» (saloop) قبل أن تنتشر القهوة والشاي. وبحسب ويكيبيديا الإنجليزية، كان السالوب يُحضَّر بالماء ويُنكَّه بماء زهر البرتقال أو ماء الورد، فيما ينقل التقرير أنه كان يُقدَّم مع الخبز والزبدة في دكاكين خاصة بالسحلب.
من قهرمان مرعش إلى آق داغ معدني: مناطق السحلب في تركيا
بحسب تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، تنمو نبتة السحلب طبيعيًا في كل مناطق تركيا تقريبًا. ويذكر التقرير، استنادًا إلى Baytop (1999)، أن سحلب موغلا وقهرمان مرعش وقسطموني يُعدّ أثمن الأنواع بين أنواع السحلب التجارية، وأن السحلب الذي ينمو في منطقة قسطموني هو في الغالب من نوعي Orchis mascula وOrchis purpurea. وبحسب ويكيبيديا التركية، تضم قهرمان مرعش خمسة وعشرين نوعًا من الأوركيد تنتمي إلى تسعة أجناس، ومن السحلب الذي ينمو في هذه المنطقة تُصنع مثلجات مرعش المدقوقة (Maraş dondurması).
والسحلب المحلي محمي أيضًا بالمؤشر الجغرافي. فبحسب خبر لقناة TRT Haber بتاريخ 19 أكتوبر 2021، حصل السحلب الذي ينمو في قضاء آق داغ معدني التابع لولاية يوزغات على شهادة تسجيل مؤشر جغرافي من نوع «تسمية المنشأ» من مؤسسة براءات الاختراع والعلامات التجارية التركية (TÜRKPATENT)، وصاحبة الشهادة هي بلدية آق داغ معدني.
حماية الأوركيد في الطبيعة: حظر التصدير ومورد محدود
لأن المادة الخام للسحلب هي أوركيد يُجمع من الطبيعة، فإن الحماية مسألة مهمة. إذ تذكر ويكيبيديا التركية أن أنواع الأوركيد البري في اليونان وتركيا وإيران تواجه خطر الانقراض على المستوى المحلي بسبب ازدياد الطلب. ولهذا تقيّد تركيا تجارة السحلب منذ زمن طويل. فبحسب تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، أُدرجت أنواع السحلب عام 1974 في قائمة المنتجات التي يتطلب تصديرها ترخيصًا، ثم حُظر تصدير أنواع الأوركيد حظرًا تامًا في بلاغ صدر بموجب لائحة نُشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 9 أكتوبر 1991، ثم حُظر في بلاغ نُشر عام 1998 تصدير السحلب مسحوقًا أو أقراصًا أو بأي شكل آخر.
وهذا النهج مستمر حتى اليوم. فبحسب خبر لوكالة الأناضول بتاريخ 27 ديسمبر 2019، يُحظر ابتداءً من عام 2020، بموجب بلاغ صادر عن وزارة الزراعة والغابات، تصدير درنات أنواع الفصيلة السحلبية (Orchidaceae) وعقاقيرها مسحوقًا أو أقراصًا أو بأي شكل كان. وتذكر ويكيبيديا الإنجليزية كذلك أنه بسبب ندرة الأوركيد، يُستخدم في كثير من خلطات السحلب المتداولة في السوق نشا الذرة أو دقيق الأرز بدلًا من السحلب الحقيقي. أما التقرير فينقل أن السحلب يمكن زراعته في ظروف مناخية تشبه مناخ المناطق التي يُجمع منها.
كيف يُشرب السحلب؟ حليب ساخن وقرفة ورشفات متأنية
السحلب بصورته المعروفة اليوم، كما تذكر ويكيبيديا الإنجليزية، يُحضَّر بالحليب الساخن بدلًا من الماء ويُرشّ عليه القرفة. وبفضل الغلوكومانان يزداد الحليب كثافة كلما سخن؛ ولهذا فالسحلب مشروب يُشرب ببطء، كثيف القوام ومُشبِع. ولأنه يُقدَّم ساخنًا جدًا، لا تستعجل الرشفة الأولى؛ فبهذا وحده تشعر بقوامه وبرائحة القرفة.
ولا يقتصر استخدام السحلب على الكأس. فبحسب تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، يُستخدم السحلب في قطاع الأغذية مادةً مكثّفة، وفي مقدمة ذلك المثلجات، إذ يساعد على رفع درجة انصهارها. وبحسب ويكيبيديا، يدخل السحلب إلى جانب المثلجات في حلويات مثل المهلبية بالسحلب.
السحلب في أيام الشتاء في كابادوكيا
يأتي سحلب (Salep) في قسم المشروبات الساخنة من قائمة «Bozacının Yeri» في أورتاحصار، ويُحضَّر بحسب وصفه في القائمة بطهي مسحوق جذر زهرة السحلب مع الحليب، ثم يُرشّ عليه القرفة. ولمن يبحث عن مشروب ساخن بالحليب، تضم القائمة أيضًا شوكولاتة ساخنة. أما كستناء الشتاء الساخنة التي تُضاف إلى القائمة في موسم البرد، فهي وجبة خفيفة مألوفة إلى جانب السحلب في أيام كابادوكيا الباردة.
المصادر: وكالة تنمية شمال الأناضول، تقرير ما قبل الجدوى لتصنيع السحلب في ولاية قسطموني (منصة دعم الاستثمار التابعة لوزارة الصناعة والتكنولوجيا، 2021)؛ وكالة الأناضول؛ TRT Haber؛ بلدية آق داغ معدني؛ ويكيبيديا (التركية والإنجليزية).
الأسئلة الشائعة
من أي نبات يُستخرج السحلب؟
يُستخرج السحلب من الدرنات التي تنمو تحت التراب لأنواع الأوركيد المنتمية إلى جنس الأوركيس، وفي مقدمتها Orchis mascula وOrchis militaris. وتُسلق الدرنات وتُجفف ثم تُطحن حتى تصير مسحوقًا.
ما الذي يمنح السحلب قوامه؟
أهم مكوّنات درنة السحلب هو الغلوكومانان. وهذه المادة تمنح السحلب خاصية التكثيف والاستحلاب، ولهذا يتكثّف السحلب عند تسخينه مع الحليب.
كم درنة يحتاج كيلوغرام واحد من السحلب؟
بحسب ويكيبيديا الإنجليزية، يحتاج كيلوغرام واحد من دقيق السحلب إلى ما بين 1000 و4000 درنة. وبحسب تقرير وكالة تنمية شمال الأناضول، يعطي كيلوغرام واحد من الدرنات الطازجة نحو 200 غرام من السحلب الجاف.
لماذا يُحظر تصدير السحلب؟
لأن السحلب يُستخرج من أوركيد بري يُجمع من الطبيعة، يُحظر في تركيا تصدير درنات الأوركيد والسحلب بأي شكل كان، حمايةً لهذه الأنواع. وقد استمر هذا الحظر ابتداءً من عام 2020 أيضًا ببلاغ صادر عن وزارة الزراعة والغابات.
كيف يُشرب السحلب؟
يُحضَّر السحلب بطهيه مع الحليب الساخن، ويُرشّ عليه القرفة ويُشرب ساخنًا. ولأن قوامه كثيف، يُرتشف ببطء.